صديق الحسيني القنوجي البخاري

92

أبجد العلوم

السادسة : أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه ، ولا يلقى إليه ما لا يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه عقله كما قيل : كلّموا الناس على قدر عقولهم . وأشار علي عليه السلام إلى صدره : « إن هاهنا لعلوما جمّة لو وجدت لها حملة » . السابعة : أن المتعلم القاصر ينبغي أن يلقى إليه الجلي اللائق به ، ولا يذكر له أن وراء هذا تدقيقا وهو يدخره عنه ، فإن ذلك يفتر رغبته في الجلي ، ويشوش عليه قلبه ، ويوهم إليه البخل به عنه ، إذ يظن كل واحد أنه أهل لكل علم دقيق ، فما من أحد إلا وهو راض عن اللّه سبحانه في كمال عقله ، وأشدهم حماقة وأضعفهم عقلا هو أفرحهم بكمال عقله . الثامنة : أن يكون المعلم عاملا بعلمه فلا يكذب قوله فعله ، لأن العلم يدرك بالبصائر ، والعمل يدرك بالأبصار ، وأرباب الأبصار أكثر ، فإذا خالف العمل العلم منع الرشد . وكل من تناول شيئا وقال للناس : لا تتناولوه فإنه سم مهلك ، سخر الناس به واتهموه وزاد حرصهم عليه فيقولون : لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما كان يستأثر به . هذا خلاصة ما في ( الإحياء ) وقد أطال في تقرير كل أدب ووظيفة من هذه الآداب والوظائف إطالة حسنة . وعقد الباب السادس من كتاب ( العلم ) في آفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة والعلماء السوء . واللّه تعالى أعلم بالصواب . وللشيخ العالم برهان الإسلام الزرنوجي « 1 » تلميذ صاحب ( الهداية ) « 2 » كتاب سماه ( تعليم المتعلم طريق التعلم ) وجعله فصولا قال فيه : « إنه لا يفترض على كل مسلم طلب كل علم ، وإنما يفترض عليه طلب علم الحال ، أي علم ما يقع له في حاله من الصلاة والزكاة والصوم والحج . ولا بدّ له من النية في زمان تعلم العلم لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إنما الأعمال بالنيات » وينوي بطلب العلم رضاء اللّه تعالى والدار الآخرة وإزالة الجهل عن نفسه وعن سائر الجهال ، وإحياء الدين وإبقاء الإسلام ، فإن بقاء الإسلام بالعلم . ولا يصح الزهد والتقوى مع الجهل ، ولا ينوي به إقبال الناس إليه ، ولا استجلاب حطام الدنيا والكرامة عند السلطان وغيره . ولا يذل نفسه بالطمع ، ويتحرز عما فيه مذلة العلم وأهله . ويختار من كل علم أحسنه ويقدم علم التوحيد والمعرفة ، وإن كان إيمان المقلد صحيحا ، ويختار العتيق دون

--> ( 1 ) هو برهان الدين إبراهيم الزرنوجي المتوفى بعد سنة 593 ه . انظر ترجمته في هدية العارفين ( 5 / 13 ) . ( 2 ) « الهداية » في الفروع لشيخ الإسلام برهان الدين علي بن أبي بكر المرغيناني الحنفي المتوفى سنة 593 ه وهو شرح على متن له سماه « بداية المبتدي » ولكنه في الحقيقة كالشرح لمختصر القدوري وللجامع الصغير . انظر ( كشف الظنون : ص 2031 ، 2032 ) .